عبد الرحمن بن ناصر السعدي
555
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
إلى قلوبهم منه شيء . * ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) * ، فلما كانت قلوبهم في غمرة منه ، عملوا بحسب هذا الحال ، من الأعمال الكفرية ، والمعاندة للشرع ، ما هو موجب لعقابهم . * ( و ) * لكن * ( لهم أعمال من دون ذلك ) * هذه الأعمال * ( هم لها عاملون ) * ، أي : فلا يستغربوا عدم وقوع العذاب فيهم ، فإن الله يمهلهم ، ليعملوا هذه الأعمال ، التي بقيت عليهم ، مما كتب عليهم ، فإذا عملوها ، واستوفوها انتقلوا بشر حالة ، إلى غضب الله وعقابه . * ( حتى إذا أخذنا مترفيهم ) * أي : متنعميهم ، الذين ما اعتادوا إلا الترف ، والرفاهية ، والنعيم ، ولم تحصل لهم المكاره ، فإذا أخذناهم * ( بالعذاب ) * ووجدوا مسه * ( إذا هم يجأرون ) * يصرخون ، ويتوجعون ، لأنه أصابهم أمر ، خالف ما هم عليه . ويستغيثون ، فيقال لهم : * ( لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ) * ، وإذا لم تأتهم النصرة من الله ، وانقطع عنهم الغوث ، من جانبه ، لم يستطيعوا نصر أنفسهم ، ولم ينصرهم أحد . فكأنه قيل : ما السبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ؟ قال : * ( قد كانت آياتي تتلى عليكم ) * لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها ، فلم تفعلوا ذلك ، بل * ( فكنتم على أعقابكم تنكصون ) * أي : راجعين القهقرى إلى الخلف ، وذلك لأن باتباعهم القرآن ، يتقدمون ، وبالإعراض عنه ، يستأخرون وينزلون إلى أسفل سافلين . * ( مستكبرين به سامرا تهجرون ) * قال المفسرون معناه : مستكبرين به ، الضمير يعود إلى البيت ، المعهود عند المخاطبين ، أو الحرم ، أي : متكبرين على الناس بسببه ، تقولون : نحن أهل الحرم ، فنحن أفضل من غيرنا ، وأعلى * ( سامرا ) * أي : جماعة يتحدثون بالليل حول البيت * ( تهجرون ) * أي : تقولون الكلام الهجر ، الذي هو القبيح في هذا القرآن . فالمكذبون كانت طريقتهم في القرآن ، الإعراض عنه ، ويوصي بعضهم بعضا بذلك * ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) * وقال الله عنهم : * ( أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون ) * * ( أم يقولون تقوله ) * . فلما كانوا جامعين لهذه الرذائل ، لا جرم حقت عليهم العقوبة ، ولما وقعوا فيها ، لم يكن لهم ناصر ينصرهم ، ولا مغيث ينقذهم ، ويوبخون عند ذلك بهذه الأعمال الساقطة * ( أفلم يدبروا القول ) * ، أي : أفلا يتفكرون في القرآن ، ويتأملونه ويتدبرونه ، أي : فإنهم لو تدبروه ، لأوجب لهم الإيمان ، ولمنعهم من الكفر ، ولكن المصيبة ، التي أصابتهم ، بسبب إعراضهم عنه ، ودل هذا ، على أن تدبر القرآن ، يدعو إلى كل خير ، ويعصم من كل شر ، والذي منعهم ، من تدبره أن على قلوبهم أقفالها . * ( أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ) * أي : أو منعهم من الإيمان ، أنه جاءهم رسول ، وكتاب ، ما جاء آباءهم الأولين ، فرضوا بسلوك طريق آبائهم الضالين ، وعارضوا كل ما خالف ذلك ، ولهذا قالوا ، هم ومن أشبههم من الكفار ، ما أخبر الله عنهم : * ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) * ، فأجابهم بقوله : * ( قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ) * ، فهل تتبعون إن كان قصدكم الحق . فأجابوا بحقيقة أمرهم * ( قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) * . وقوله : * ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ) * أي : أو منعهم من اتباع الحق ، أن رسولهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، غير معروف عندهم ، فهم منكرون له ؟ يقولون : لا نعرفه ، ولا نعرف صدقه ، دعونا ننظر حاله ، ونسأل عنه ، من لديه خبره ، أي : لم يكن الأمر كذلك ، فإنهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم ، معرفة تامة ، صغيرهم ، وكبيرهم يعرفون منه كل خلق جميل ، ويعرفون صدقه ، وأمانته ، حتى كانوا يسمونه قبل البعثة ( الأمين ) فلم لا يصدقونه ، حين جاءهم بالحق العظيم ، والصدق المبين ؟ * ( أم يقولون به جنة ) * أي : جنون ، فلهذا قال ما قال ، والمجنون ، غير مسموع عنه ، ولا عبرة بكلامه ، لأنه يهذي بالباطل ، والكلام السخيف . قال الله في الرد عليهم في هذه المقالة : * ( بل جاءهم بالحق ) * أي : بالأمر الثابت ، الذي هو صدق وعدل ، لا اختلاف فيه ، ولا تناقض ، فكيف يكون من جاء به ، به جنة ؟ ! وهلا يكون إلا في أعلى درجات الكمال ، من العلم والعقل ، ومكارم الأخلاق . وأيضا ، فإن في هذا ، الانتقال ، مما تقدم . أي : بل الحقيقة التي منعتهم من الإيمان ، أنه * ( جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ) * . وأعظم الحق الذي جاءهم به ، إخلاص العبادة لله وحده ، وترك ما يعبد من دون الله . وقد علم كراهتهم لهذا الأمر ، وتعجبهم منه . فكون الرسول أتى بالحق ، وكونهم كارهين للحق بالأصل ، هو الذي أوجب لهم التكذيب بالحق ، لا شكا ولا تكذيبا للرسول ، كما قال تعالى : * ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) * . فإن قيل : لم لم يكن الحق موافقا لأهوائهم لأجل أن يؤمنوا أو يسرعوا الانقياد ؟ أجاب تعالى بقوله : * ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ) * . ووجه ذلك ، أن أهواءهم ، متعلقة بالظلم ، والكفر ، والفساد ، من الأخلاق ، والأعمال . فلو اتبع الحق أهوائهم ، لفسدت السماوات والأرض ، لفساد التصرف والتدبير ، المبني على الظلم وعدم العدل .